مذهب أئمة السنة في البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها وبناء المساجد عليها وبيان أن ذلك من سنن المشركين واليهود والنصارى
وقد اعتمدت في هذا الموضوع، على أقدم الكتب التي دونت في أقوال المذهب، والسبب في ذلك، أن أقدم المراجع في المذاهب، تكون أصحّ في حكاية المذهب من المراجع التي تأتي بعدها، لأنه ينشأ في المذاهب، أقوام يزعمون أنهم مجتهدون، فيزيدون في المذهب ما قد يكون مخالفاً للمذهب على الحقيقة.
- مذهب الإمام مالك
قال سحنون في المدونة: "وقال مالك: أكره تجصيص القبور والبناء عليها وهذه الحجارة التي يبنى عليها. قال ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة قال: إن كانت القبور لتسوى بالأرض. قال ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي زمعة البلوي صاحب النبي - عليه السلام -: أنه أمر أن يصنع ذلك بقبره إذا مات، قال سحنون: فهذه آثار في تسويتها فكيف بمن يريد أن يبني عليها" اهـ
وقال ابن أبي زيد القيرواني في النوادر والتعليقات: "من الْعُتْبِيَّة، من سماع ابن القاسم: وكره مالك أن يرصص على القبور بالحجارة والطين، أو يبنى عليها بطوب أو حجارة. قال: وكره هذه الْمَسَاجِد المتخذة على القبور. فأما مقبرة دائرة يبنى فيها مسجد يُصَلَّى فيه، لم أر به بأسا. وكره ابن القاسم: أن يجعل على القبر بلاطة، ويكتب فيها، ولم ير بالحجر والعود، والخشبة بأسا، يعرف الرجل به قبر وليه، ما لم يكتب فيه، ولا أرى قول عمر ولا تجعلوا على قبري حجرا. إلاَّ أنه أراد من فوقه، على معنى البناء. ومن (كتاب ابن حبيب): ونهى عن البناء عليها، والكتاب، والتجصيص، ورَوَى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ترفع القبور، أو يبنى عليها، أو يكتب فيها، أو تقصص – ورَوَى: تجصص – وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض. وفعله عمر. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تقصص أو تجصص، يعني تبيض بالجير أو بالتراب الأَبْيَض، والْقَصَّة: الجير وهو الجص. ويَنْبَغِي أن تسوى تسوية تسنيم. ولا بأس أن يوضع في طرف القبر الحجر الواحد؛ لئلا يحفر موضعه إذا عفا أثره". اهـ
وقال في ضرب الفسطاط على القبر: "قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ضرب الفسطاط على قبر الْمَرْأَة أجوز منه على قبر الرجل، لما يستر منها عند إقبارها، وقد ضربه عمر على قبر زينب بنت جحش، فأما على قبر الرجل فأجيز، وكره، ومن كرهه، فإنما كرهه من جهة النفخة والسمعة، وكرهه أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وابن المسيب، وقد ضربه محمد بن الحنفية على قبر ابن عباس، أقام عليه ثلاثة أَيَّام. فأراه واسعًا، ولا بأس أن يقر عليه ليومين والثلاثة، ويبات فيه إذا خيف من نبش، أو غيره. وإن عائشة ضربته على قبر أخيها، فنزعه ابن عمر". اهـ
وقال الشافعي في الأم: "أخبرنا مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «قاتل الله اليهود، والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقى دينان بأرض العرب»" اهـ
فمن بنى على القبور أو جصّصها او كتب عليها أو اتخذ المساجد عليها، فليس بمالكي، ومالكٌ منه براء.
- مذهب الإمام الشافعي
قال في الأم: "وأحب أن لا يزاد في القبر تراب من غيره وليس بأن يكون فيه تراب من غيره بأس إذا إذا زيد فيه تراب من غيره ارتفع جدا، وإنما أحب أن يشخص على وجه الأرض شبرا أو نحوه وأحب أن لا يبنى، ولا يجصص فإن ذلك يشبه الزينة والخيلاء، وليس الموت موضع واحد منهما، ولم أر قبور المهاجرين والأنصار مجصصة (قال الراوي): عن طاوس: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تبنى القبور أو تجصص» (قال الشافعي): وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما يبنى فيها فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك فإن كانت القبور في الأرض يملكها الموتى في حياتهم أو ورثتهم بعدهم لم يهدم شيء أن يبنى منها وإنما يهدم إن هدم ما لا يملكه أحد فهدمه لئلا يحجر على الناس موضع القبر فلا يدفن فيه أحد فيضيق ذلك بالناس" اهـ
قلت: والظاهر أن الإمام الشافعي نهى أن يهدم ما بني على القبر، إذا كان القبر في مقبرة خاصة، لأنه ظنّ أن النهي إنما ورد لكي لا يضيّق الناس على بعضهم البعض، وهذا خلاف ظاهر الأحاديث.
وقال: "ولا نحب أن يزداد في القبر أكثر من ترابه ليس لأنه يحرم ذلك، ولكن لئلا يرتفع جدا، ويشخص القبر عن وجه الأرض نحو من شبر، ويسطح، ويوضع عليه حصباء وتسد أرجاؤه بلبن أو بناء، ويرش على القبر ويوضع عند رأسه صخرة أو علامة ما كانت" اهـ
وقال عن بناء المساجد على القبور: "وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوى أو يصلى عليه، وهو غير مسوى أو يصلى إليه، قال: وإن صلى إليه أجزأه، وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «قاتل الله اليهود، والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقى دينان بأرض العرب» (قال): وأكره هذا للسنة والآثار، وأنه كره والله تعالى أعلم أن يعظم أحد من المسلمين يعني يتخذ قبره مسجدا، ولم تؤمن في ذلك الفتنة، والضلال على من يأتي بعد، فكره والله أعلم لئلا يوطأ، فكره والله أعلم لأن مستودع الموتى من الأرض ليس بأنظف الأرض، وغيره من الأرض أنظف" اهـ
قلت: فكل من بنى على القبور أو بنى المساجد على القبور، فليس بشافعي والشافعي منه براء.
- مذهب الإمام ابن حنبل
قال أبو داود في مسائله: "سمعت أحمد قال: لا يزاد على القبر من تراب غيره إلا أن يستوى بالأرض فلا يعرف. فكأنه رخص إذ ذاك" اهـ
وقال أبو داود في مسائله: "سمعت أحمد سُئِلَ عن تطيين القبور؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس" اهـ
فمذهب أحمد، النهي عن أن يزاد تراب من غير تراب القبر، إلا إذا كان ترابه قليلاً جداً، يمنع من رفعه وتسنيمه قدر شبر، فعندئذ يجيز أن يزاد على القبر من تراب غيره، فكيف بمن يريد أن يبني عليه أو يجصِّص، لا شك أن هذا أشد كراهة ونهياً عند أحمد.
وقال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله:" قلت - أي: لأحمد - : تسوية القبور؟ قال: لا أدري. قال إسحاق: السنة أن يسوى القبر إلا أن يكون مسنمًا قليلًا" اهـ
وقال إسحاق بن منصور في مسائله: "قلت - أي: لأحمد - : أتكره أن يُضرب على القبر فسطاط؟ قال: إي لعمري. قال إسحاق: إذا تُخوف على نبش القبر، فإن فعلوا فلا بأس، فأما للتعظيم فلا" اهـ
وقال صالح بن حنبل في مسائله: "وقال - أي: أحمد - في القبر: أعجب إلي أن يكون مسنمًا" اهـ
وقال صالح بن حنبل: "وسألته عن تطيين القبور وتجصيصها؟ فقال: أما التجصيص مكروه، والتطيين أسهل" اهـ
وقال ابن هانئ في مسائله: "وسمعته يقول: ما أدري ما تسوية القبور" اهـ
وروى ابن أبي يعلى، عن أبي حامد الخفاف، أنه قال: "سُئل أحمد عن القبور مرتفعة أحب إليك، أو مسنَّمة؟ قال: مسنَّمة، مثل قبور أحد، مسنمة حثى" اهـ
قال ابن مفلح في الفروع: "ولا بأس بلوح، نقله الميموني، ونقل المروذي: يكره، ونقل الأثرم: ما سمعت فيه بشيء، وحمله صاحب المحرر على اللوح المعتاد، وهو ما فيه كتابة أو نقوش، أو على اللوح في جوف القبر، لترك سنة اللبن والقصب، قال له مهنا: يكره في القبر خشب؟ قال: نعم، قلت: والألواح فيه؟ قال: نعم" اهـ
قوله: "نقله الميموني" و "ونقل المروّذي" و "نقل الأثرم" كل ذلك يراد به، أنهم نقلوا ذلك عن أحمد بن حنبل، ومهنّا، هو مهنّا الشامي.
وقال ابن مفلح في الفروع: "المنقول في هذا ما سأله أبو طالب عمن اتخذ حجرة في المقبرة لغيره، قال: لا يدفن فيها، والمراد لا يختص بها، وهو كغيره" اهـ
قلت: فكل من بنى على القبور أو بنى المساجد على القبور، فليس بحنبلي وابن حنبل منه براء.
تنبيه: بعد هذا، يأتيك من قلّ عقله وباع دينه، فيأتي بأقوال أقوامٍ من أهل الأهواء والبدع والزيغ والضلال، ممن ينتسب إلى مدرسة هؤلاء الأئمة الأجلاء، ويجيز البناء على القبور، وربما استحسنه وحثّ عليه، ثم يقول: انظروا أئمة المالكية والشافعية والحنابلة - يريد بذلك الضلال المنتسبين إلى مذهب هؤلاء الأئمة بالباطل - يجيزون البناء على القبور. ليضلّ الناس عن هدي الله ورسوله!!
وأما الأحاديث الصحاح، التي رواها أئمة السُنَّة، فقد قمعت أولئك القبوريَّة قمعاً لم يمكنهم معها إلّا التكذيب بها والطعن في صحتها، مع كونها مسلسلة بالثقات!! وهي فضيحة أخرى تنظم إلى فضائحهم الكثيرة، في زيف ادعائهم لمذهب أهل السنة ونصرتها!
- مذهب أبي حنيفة
واعتمدت في ذلك، على أقدم كتابين جامعين في المذهب الحنفي، وهما: كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني، وكتاب المحيط البرهاني، لابن مازه البخاري.
قال الكاساني، في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، في فصل سنّة الدفن، ما نصه: "ويسنم القبر ولا يربع، وقال الشافعي: يربع ويسطح لما روى المزني بإسناده «عن رسول الله ﷺ أنه لما توفي ابنه إبراهيم جعل قبره مسطحا» ، ولنا ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: أخبرني من رأى قبر رسول الله ﷺ وقبر أبي بكر وعمر أنها مسنمة وروي أن عبد الله بن عباس لما مات بالطائف صلى عليه محمد بن الحنفية، وكبر عليه أربعا، وجعل له لحدا وأدخله القبر من قبل القبلة، وجعل قبره مسنما وضرب عليه فسطاطا؛ ولأن التربيع من صنيع أهل الكتاب، والتشبيه بهم فيما منه بد مكروه، وما روي من الحديث محمول على أنه سطح قبره أولا، ثم جعل التسنيم في وسطه حملناه على هذا بدليل ما روينا، ومقدار التسنيم أن يكون مرتفعا من الأرض قدر شبر، أو أكثر قليلا. ويكره تجصيص القبر وتطيينه وكره أبو حنيفة البناء على القبر وأن يعلم بعلامة، وكره أبو يوسف الكتابة عليه ذكره الكرخي لما روي عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجصصوا القبور ولا تبنوا عليها ولا تقعدوا ولا تكتبوا عليها» ؛ ولأن ذلك من باب الزينة ولا حاجة بالميت إليها؛ ولأنه تضييع المال بلا فائدة فكان مكروها. ويكره أن يزاد على تراب القبر الذي خرج منه؛ لأن الزيادة عليه بمنزلة البناء. بأس برش الماء على القبر؛ لأنه تسوية له وروي عن أبي يوسف أنه كره الرش؛ لأنه يشبه التطيين". اهـ
وقال ابن مازه البخاري، في المحيط البرهاني، في باب الجنائز، ما نصّه: "وجعل قبره مسنماً، وضرب عليه فسطاطاً. ولأن تربيع القبر تشبه بصنيع أهل الكتاب، والتشبيه بصنيعهم فيما لنا مستند مكروه؛ ولأن التربيع في الأبنية للإحكام، ونختار في القبور ما هو أبعد عن الإحكام. وتأويل حديث إبراهيم بن رسول الله سطح قبره أولاً ثم سنم. وإن خيف ذهاب أثره فلا بأس برش الماء عليه بلا خلاف، وإنما الخلاف فيما إذا لم يخف ذهاب أثره، ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يكره، وعن أبي يوسف أنه يكره. وإن خيف مع ذلك، فلا بأس بحجر توضع أو آجر، فالظاهر لا يكره على الظاهر، وقد وضع رسول الله عليه السلام على قبر أبي دجانة حجراً وقال: هذا لأعرف به قبر أخي. وفي «كتاب الآثار» عن محمد: لا أرى أن يزاد في تراب القبر على ما خرج، ولا أرى برش الماء عليه بأساً، ولا يجصص ولا يطين، روي عن أبي حنيفة رحمه الله، وهكذا ذكر الكرخي في «مختصره» . وفي «طهارات النوازل» : أنه لا بأس به، وعن أبي يوسف أنه كره أن يكتب عليه كتاباً وكره أبو حنيفة رحمه الله البناء في القبر وأن يعلم بعلامة. قالوا: وأراد بالبناء السقط الذي يجعل على القبور في ديارنا، وقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله في رواية أخرى النهي عن السقط". اه
فمن أجاز البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها من الأحناف، فهو في الحقيقة ليس حنفياً، وأبو حنيفة منه براء.
- البناء على القبور من سنن المشركين واليهود والنصارى
روى الطبري في تفسيره، في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ﴾ [النجم ١٩] عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أنه قال عن اللّات: "كان يلتّ السويق للحاجّ".
وروى الطبري عن مجاهد تلميذ ابن عباس رضي الله عنه، أن اللاتّ كان رجلا يلت السويق لحجاج المشركين فمات فعكفوا على قبره.
قلت: والصواب، أن اللّات اسم صنم كان يعبده المشركون في الجاهليَّة، حيث كان يزعم مشركوا العرب أن اللات والعزّى ومناة بنات الله، تعالى الله علوّاً كبيرا.
ويثبت ذلك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، لما قال عروة بن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم: أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوها وإني لأرى أوشاباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: «امصص ببظر اللات» أنحن نفر عنه وندعه؟!
والشاهد من ذها الحديث، هو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "أمصص بظر اللّات" فالبظر لا يكون إلا للأنثى، وهو شيء ناتئ في أعلى فرج المرأة، بين شفرتي فرجها.
وهذا يدل على أن من ذهب أن اللّات اسم لصنم يجسد امرأة يعتقد فيها المشركون ما يعتقدون من أنها ابنة الله تعالى وتقدس عن الصاحبة والولد، هو القول الصحيح.
وبهذا فاللات ليس وصفاً لرجل، بل هو اسمٌ لصنم يجسّد امرأة كانت تعبدها العرب في الجاهليّة.
ولكن قول ابن عباسٍ رضي الله عنه، يفيدنا في أن العكوف على القبور، ودعاءها وسؤالها قضاء الحاجات، كان من سنن وعبادات المشركين، والذي يظهر أن ابن عبّاس خلط بين القبر الذي كان يعتكف عنده مشركوا قريش، وبين صنم اللات، فظن أن اللات لقب لصاحب القبر، ومثل هذه الأوهام تقع كثيراً عند الرواة.
وأما اليهود والنصارى، فمن قرأ كتاب يهود، الذي يزعمون أنه التوراة، أو قرأ كتاب النصارى الذي يزعمون أنه الإنجيل، وكذلك رحلة بنيامين التطيلي اليهودي في القرن السادس الهجري، القرن الثاني عشر الميلادي، وكتاب رحلة طافور الأسباني النصراني في القرن التاسع الهجري، القرن الخامس عشر الميلادي، يعلم كيف أن البناء على القبور كان من سنن تلك الأمم.
جاء في كتاب يهود الذي يسمونه: التوراة، في سفر أشعياء [22-16] والنصّ يتحدث عن رجل متكبِّر يدعى: شبنا - شبنة، ما نصُّه: "ما لكَ ههنا؟ ومَنْ لكَ ههنا حتَّى نَقَرتَ لنَفسِكَ ههنا قَبرًا أيُّها النّاقِرُ في العُلوِّ قَبرَهُ، النّاحِتُ لنَفسِهِ في الصَّخرِ مَسكَنًا؟" اهـ
وتفسير النصّ كما ورد في موقع "الكلمة الثابتة" لتفسير الكتاب المقدس "كما يسمّونه" ما يلي: "يدل هذا على أن ما فعله شبنا إنما فعله بمنصبه الدال على الكرامة والمسؤولية. وقد صنع لنفسه قبرًا فاخرًا ذا مقام. وفي ذلك الوقت، كان عمله هذا عرضًا للقوة والثروة الكبيرتين" اهـ
الشاهد هو قوله: "وقد صنع لنفسه قبراً فاخراً ذا مقام".
ويقول القمص تادرست يعقوب، كما ورد في موقع الأنبا تكلا هيمانوت، عن تفسير هذا النصّ، وهو يتحدث عن شبنا: "أراد أن يخلد ذكراه فنحت لنفسه قبرًا عظيمًا في ذات الصخرة التي دفن فيها ملوك يهوذا" اهـ
والشاهد من هذه النصوص، أن شبنا اليهودي، كان قد بنا لنفسه بناء على قبره، الذي سوف يقبر فيه، ليخلد ذكره، ويقال: هذا قبر شبنا.
وجاء في كتاب متَّى [23-27] ما نصّه: "ويلٌ لكُمْ أيُّها الكتبةُ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ! لأنَّكُمْ تُشبِهونَ قُبورًا مُبَيَّضَةً تظهَرُ مِنْ خارِجٍ جَميلَةً، وهي مِنْ داخِلٍ مَملوءَةٌ عِظامَ أمواتٍ وكُلَّ نَجاسَةٍ" اهـ
وجاء في كتاب متَّى أيضاً [23-29] ما نصّه: "ويلٌ لكُمْ أيُّها الكتبةُ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ! لأنَّكُمْ تبنونَ قُبورَ الأنبياءِ وتُزَيِّنونَ مَدافِنَ الصِّدّيقينَ" اهـ
قلت: هذه نصوص تدل على أن من سنن اليهود والنصارى، البناء على القبور، وتزيينها، إما للتفاخر والخيلاء، أو محبة لأصحاب تلك القبور، وهذه من السنن التي أخذها المتكلمون والصوفية والرافضة عنهم.
تنبيه: حديث النهي عن الكتابة على القبر، رواه جابر, ورواه عن جابير ابو الزبير ورواه عن ابي الزبير ابن جريج ورواه عن ابن جريج عدة أئمة منهم :
أبو معاوية الضرير، ومحمد بن ربيعة، وحفص بن غياث وهؤلاء ذكروا في الحديث النهي عن الكتابة.
وحجاج بن محمد وعبدالرزاق، وهؤلاء لم يذكروا في حديثهم النهي عن الكتابة.
ومع أن أبا معاوية الضرير في حديثه ضعف، إلا أن روايته تتقوى برواية محمد بن ربيعة وحفص بن غياث، فلعل ابن جريج روى الحديث لهم كاملا، ونسي لما رواه لحجاج وعبدالرزاق، إذ بالإمكان انه روى لهؤلاء الثلاثة في مجلس، وللآخرين في مجلس.
والأئمة على كراهية هذا الفعل.
والله أعلم.